![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
| | ![]() | ![]() | |
| ||||||||||
| | | | |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| | رقم المشاركة : 6 |
![]() | رد: شخصيات اسلاميه 4)مالك بن أنس اجتمعت الأسرة الصغيرة ذات مساء. كما تعودت بعد كل صلاة عشاء. تتذاكر أمور الحياة والدين فيحكي الأب عما صادفه وجه النهار في متجره الصغيرة الذي يبيع فيه الحرير، وعما عرض له خلاف البيع والشراء من واقعات. ويشرح لأولاده ولأم البنين ما حفظه عن أبيه عن جده الصحابي من أحاديث وآثار، وتأخذ الأسرة باستيعاب ما يقول. وفي تلك الليلة ألقى الأب سؤالا في الدين على أفراد أسرته فاحسنوا الإجابة إلا ولده الأصغر مالكا .. كان في نحو العاشرة، قد حفظ القرآن وبعض الأحاديث، وامتلأت آفاقه بنور الكلمات، ولكن عقله لم يكن قد استطاع أن يعي ما فيها .. وكان مالك لنضارة سنه يحب أن يرتع ويلعب. وغضب أنس على ولده الصغير مالك لأنه أخطأ في الإجابة على سؤال في الدين، ونهره لأنه مشغول باللعب مع الحمام، وهذا يلهيه عن العلم!. وبكى الصبي كما لم يبك من قبل، وفزع إلى أحضان أمه يسألها الحماية والنصيحة، ويستعينها على ما هو فيه. ونشطت أمه من غدها بعد صلاة الفجر فأدخلته الحمام، وطيبته وألبسته احسن ثياب وعممته، ودفعت به إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتلقى العلم، واختارت له حلقة "ربيعة" من بين سبعين حلقة تلتف حول أعمدة المسجد النبوي يقوم عليها سبعون من أساطين العلم .. "ربيعة" هو حينذاك اكبر فقيه يجتهد رأيه ليستنبط الحكم عندما لا يجده في نص قطعي الدلالة .. وهو اكثر العلماء دعوة إلى الاجتهاد والأخذ بالرأي من أجل ذلك سمي ربيعة الرأي. ويتعود الصبي بعد ذلك طيلة حياته أن يستحم ويتطيب ويلبس خير ثيابه كلما جلس يتعلم أو ليعلم. ولكم عجب رواد المسجد لذلك الصبي الأشقر يفوح منه الطيب في عمامة الشيوخ وهو يمسك بلوح يكتب فيه كل ما يقوله "ربيعة" ويشرب بعينيه وأذنيه مسائل صعبة من اجتهاد ربيعة الذي لم يكن يروي أحاديث يمكن أن تحفظ، بل يلقي بفتاوى واستنباطات يحتاج فهمها إلى عقل ناضج، ورأس كبير جدير بالعمامة التي يحملها. ومنذ ذلك اليوم من أوائل القرن الثاني للهجرة أخذ مالك نفسه بالمشقة في طلب العلم .. نصحته أمه أن يذهب إلى المسجد النبوي، فيجلس إلى "ربيعة" ليأخذ من علمه قبل أدبه .. وكان ربيعة مشهورا في المدينة بفقه الرأي .. ولكن الصبي لم يعكف على ربيعة وحده، فقد بهره ما في الحلقات الأخرى من فنون المعارف .. فتنقل بين حلقات الفقهاء .. يحفظ القرآن ويصغي إلى تفسيره في هذه الحلقة أو تلك .. ثم ينتقل إلى حلقات أخرى فيحفظ منها الأحاديث النبوية ويستوعب تأويل الأحاديث. ويتلقى فتاوى الصحابة من شيخ، والرد على ما يثار من أفكار وآراء في العقائد من شيخ آخر .. ثم يعود إلى ربيعة أو غيره من الشيوخ الذي يجد لديهم علما أغزر. كان يحمل معه حشية تقيه برد المسجد إذا كان الشتاء، وما كان يكتفي بما يتعلم في المسجد بل يلتمس الشيوخ دروهم يستزيد من علمهم ويصبر على ما في بعضهم من حدة .. ولقد ينتظر أحد الشيوخ في الطريق ساعات ما يجد فيها شجرة تقيه الهاجرة حتى إذا رأى الشيخ يعود إلى داره انتظر لحظة ثم قرع عليه بابه. ولقد يملأ أكمامه بالتمر يهديه لجاريه أحد الفقهاء لتمكنه من الخلوص إلى المعلم المنشود. وكان مالك إذا جلس ليستمع للأحاديث وهو صبي يحمل معه خيطا فيعقد مع كل حديث عقدة .. حتى إذا كان آخر النهار، أعاد على نفسه الأحاديث وعد العقد .. فإن وجد نفسه قد نسى شيئا قرع باب شيخ الذي سمع منه الأحاديث فيحفظ منه ما نسى. انقطع مالك لطلب العلم، ومات عائله وشب الفتى وأصبح عليه أن يعول نفسه وزوجته وبنته .. وكانت به تجارة بأربعمائة دينار ورثها عن أبيه. ولكنه كان مشغولا عنها بطلب العلم فكسدت تجارته، واضطر إلى أن يبيع خشبا من سقف بيته ليعيش هو وأسرته بثمنه، وكان الجوع يعضه ويعض زوجه وابنته فتصرخ الطفلة من الجوع طيلة ليلها. فيدير أبوها الرحى ولا يسمع الجيران صراخها .. ولما قد بلغ أوج شبابه، وجد نفسه عاجزا عن توفير ما يكفي أهل بيته إلا أن يضحي بطلب العلم .. فانفجرت أولى صرخات اجتهاده وناشد الحاكمين أن يمكنوا أهل العلم اجتهاده وناشد الحاكمين أن يمكنوا أهل العلم من التفرغ للعلم، وأن يجروا عليهم رواتب تكفل لهم الحياة الكريمة .. غير أن أحدا لم يلتفت إليه، فقد كانت الدولة الأموية التي عاش شبابه في ظلها مشغولة بتثبيت أركانها، وبتآلف قلوب شيوخ أهل العلم دون شبابهم. والتقى به في تلك الفترة طالب علم شاب من أهل مصر هو الليث بن سعد .. كان قد ألف أن يحج ما بين عام وعام ويزور المدينة ويجلس إلى حلقات الفقهاء في الحرم النبوي، وقد أعجب كل واحد منهما بذكاء صاحبه ونشأت بينهما علاقة احترام متبادل، ألقى الله في قلبيهما مودة ورحمة .. ولاحظ الليث بن سعد أن صديقه ـ على الرغم من أناقة ثيابه ونظافتها، وعلى الرغم من رائحة المسك والطيب التي تسبقه ـ فقير جهد الفقر، وإن كان ليداري فقره تعففا وإباء!.. وكان الليث واسع الغنى، فمنح صاحبه مالا كثيرا وأقسم عليه أن يقبله. وعاد الليث إلى وطنه مصر وظل بها يصل صاحبه مالك بن أنس بالهدايا وبالمال، حتى أصلح الملك حال مالك ووجد من الخلفاء من يستجيب إلى ندائه المتصل أن تجري الرواتب على أهل العلم. ولقد سئل مالك عن عدم السعي في طلب الرزق والانقطاع إلى العلم فقال: "لا يبلغ أحد ما يريد من هذا العلم حتى يضر به الفقر ويؤثره على كل حال .. ومن طلب هذا الأمر صبر عليه". وفي الحق أنه ظل طالب علم بعد أن أصبح فقيها كبيرا يسعى إليه الناس ومن كل أقطار الأرض وإلى أن توفى سنة 179 هـ وهو في نحو السادسة والثمانين. ولقد ظل يعلم الناس، عندما جلس للعلم، أن يتحرجوا في الفتيا وفي إبداء آرائهم، فإذا كان الفقيه غير مثبت مما يقول فعليه في شجاعة أن يعترف بأنه لا يدري. ذلك أن الفتيا لون من البلاء لأهل العلم. فمن حسب نفسه قد أوتي العلم كله، فهو جاهل حقا .. وشر الناس مكانا هو من يضع نفسه في مكان ليس أهلا له. وإن رأى الناس غير ذلك، فصاحب العلم أدرى بنفسه، وللرأي أمانته. ويحكى أن رجلا جاءه من أقصى الغرب موفدا من أحد فقهائها، ليسأل مالك ابن أنس عن مسألة .. فقال مالك: "أخبر الذي أرسلك أن لا علم لي بها، فأخبره الرجل أنه جاء من مسيرة ستة أشهر ليسال عن هذه المسألة. فقال مالك: "وما أدى وما ابتلينا بهذه المسألة في بلدنا وما سمعنا أحداً من أشياخنا تكلم فيها ولكن تعود غدا". وظل مالك يفكر في المسألة ويقرأ ما يمكن أن يتصل بها حتى إذا كان الغد جاءه الرجل فقال له مالك: "سألتني وما أدري ما هي" فقال الرجل "ليس على وجه الأرض أعلم منك وما جئتك من مسيرة أشهر إلا لذلك" فقال مالك: لا أحسن. بهذه الأناة والتحرج كان مالك يعالج الفتيا. ولقد عاش في المدينة المنورة طيلة حياته منذ ولد فيها نحو سنة 93 هـ إلى أن ثوى تحت ثراها آخر الدهر. لم يبرحها قط إلا لحج أو عمرة .. كان مالك يجد في المدينة ريح النبوة، ونفحات علوية من أنفاس الرسول حتى لكأنه يستنشق كل خفقة من أنسام مدينة الرسول جلال الأيام الباهرة الخالية: أيام النور والوحي والبطولات والفرقان. ومازال أهل المدينة يصغون كما كانوا يصغون في زمن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" والصحابة الأوائل .. إنهم ليتوارثون سنته الشريفة في القول والعمل، الآباء عن الأجداد .. آلافا عن آلاف حتى لقد صح عنده أن عمل أهل المدينة في عصره سنة مؤكدة، وأنه بالاعتبار عند الفتيا والقضايا من أحاديث الآحاد .. إنه لعاشق لمدينة رسول الله كما لم يعشق أحد مدينة من قبل ولا من بعد، يكاد يحمل لها من التعظيم ما يحمله للرسول صلى الله عليه وسلم نفسه ولصاحبته. حكى الشافعي أنه رأى على باب مالك هدايا من خيل خراسانية وبغال مصرية فقال الشافعي "ما احسن هذه الأفراس والبغال" فقال مالك: "هي لك فخذها جميعا" قال الشافعي: "ألا تبقي لك منها دابة تركبها؟" قال مالك: "إني لأستحي من الله تعالى أن أطأ تربة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحافر دابة". وفي الحق أن الحياة في المدينة كانت تناسب طبيعة مالك .. فقد ظلت المدينة بعيدا عن مضطرب التيارات الفكرية التي تصطحب غيرها من مدائن المسلمين، فهي تعيش على السنن المتوارثة وتنأى بنفسها عن صراع العقائد، والجدل الفلسفي، وكلام الباحثين فيما وراء الغيب، وكل ما أنتجته ترجمة الفلسفات اليونانية والهندية والفارسية، إنها حقا قرية مؤمنة ورب غفور .. ومالك بن أنس رجل يحب الدعة وينشد السكينة، ويعكف على الدرس المطمئن. وهو يكره الجدل واللجاج والصخب والمناظرة، والكلام فيما لا ينفع الناس في حياة كل يوم. وكان يقول لمن سافر لمن يريدون الجدل في العقائد "تجادلوا .. وكلما جاء رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل، وغير الإنسان دينه". وكان مالك لا يحب أن يخوض غمرات الصراع السياسي .. وكانت المدينة بالقياس إلى غيرها من بلاد المسلمين أكثرهن بعدا عن الثورات والفتن ومناهضة الحكام. ولقد بلغ نفوره من الجدل حدا جعله يصد عنه هارون الرشيد عندما لقيه في المدينة وطلب منه أن يناظر أبا يوسف صاحب أبي حنيفة. فقال مالك مغضبا: "إن العلم ليس كالتحريش بين البهائم والديكة" كان مالك يعتقد أن الجدال في الدين مفسدة للدين. وقال: "إن الجدل يبعد المتجادلين عن حقيقة الدين. إن المراء والجدل في الدين يذهبان بنور العلم من قلب المؤمن "وسئل" "رجل له علم بالسنة ألا يجادل عنها؟" فقال "يخبر بالسنة فان قبل منه، وإلا سكت." على أن الأفكار الجديدة اقتحمت على مالك وأهل المدينة حياتهم، وفرضوا عليهم النظر فيها، فقد كان أصحابها يذهبون إلى الحجاز للحج والعمرة وللزيارة .. وكان على مالك وأهل العلماء في المدينة أن يناظروا فيما هو مطروح من أفكار وكلام. وصفات الله. كيف يرى يوم القيامة وخلق القرآن .. والقدر والجبر والاختيار. وفرضت القضايا نفسها على فقهاء الحجاز .. أما مالك فقال: "الكلام في الدين أكرهه وأنهى عنه ولم يزل أهل بلدنا (المدينة) يكرهونه وينهون عنه .. نحو الكلام في القدر والجبر ونحو ذلك ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل. "وما تحته عمل من الدين هو ما يفيد الناس في الأصول. أما العقائد فقد نهى عن الجدل فيها وقد فسر مالك كل آية تتحدث عن العداوة والبغضاء التي تقع بين عباد الله، بأنها الخصومات للجدل في الدين. وكان مالك يتساءل عن جدوى هذه الأفكار المبتدعة عن ذات الله وصفاته والجبر والاختيار؟ وخلق القرآن؟ وما عساها تحقق من مصالح أو تدفع من مضار؟ إنه لأولى بأهل العلم أن يشتغلوا بالحكمة .. والحكمة التي جاءت كثيرا في القرآن هي ـ في رأي مالك ـ في دين الله والعمل به .. ولقد أطلق مالك على أصحاب الكلام في العقائد والجبر ونحو ذلك من أصحاب بدع وقال عنهم إنه ما عرف أشد منهم سخفا ولا حمقا .. فما جدوى الكلام فيما يتكلمون فيه؟ ماذا يحقق جدل كهذا من مصالح للعباد؟ .. إن المعتقدات يجب ألا تكون موضوع كلام وعلى المسلم العاقل أن يسلم بها تسليما مطلقا، وأن يجعل همه إلى ما وراء ذلك مما ينفع الناس، ويمكث في الأرض يدفع عنهم الضرر والمفاسد، ويضبط لهم علاقاتهم وحياتهم ومعاشهم بما يستنبطه من أحكام الشريعة. فليسأل أهل العلم أنفسهم ما هو مقصد الشريعة الإسلامية وما هدفها؟ .. وليتقوا الله حق تقاته وهم يجيبون على هذه المسألة .. أهو في الشريعة الإسلامية يتخاصم الناس ويتمارون حول القدر وخلق القرآن ورؤية الله والجبر والاختيار؟ .. وبهذا تنصرف العقول عن التفكير فيما ينفع الناس؟ .. لا بل إن هدف الشريعة هو إقامة العمران في هذا العالم وتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة .. من أجل ذلك فقد وجب على العلماء والفقهاء أن يبصروا الناس بما يحقق المصلحة ويقيم عمارة العالم. وبما يدرأ عنهم المفاسد وبما يضبط أمورهم على أركان ركنية من العدل والتقوى وصلاح الأمور. والأحكام التي تحقق مقاصد الشريعة منصوص عليها في القرآن والحديث، ويجب التعرف عليها بكل طرائق الفهم والتفسير، وتدبر ما وضح وما خفي من دلالات النصوص، فإن لم يسعف النص في مواجهة ما يستجد من أحداث، فلينظر الفقيه في إجماع الصحابة ليستخلص الحكم، ففي إجماع الصحابة حجة كالسنة المؤكدة، فإن لم يجد الفقيه ما يشفي فلينظر في عمل أهل المدينة لأنهم تلقوه آلاف عن آلاف عن الرسول صلى الله عليه وصحابته .. فإن كان ما استجد من قضايا لا حكم قضية سابقة وأورد به نص إن توافرت العلة في القضيتين فان تعارض هذا القياس مع مصلحة فليفضل الحكم الذي يحقق المصلحة استحسانا له .. فهو الأحسن. وإن لم يسعفه القياس فلينظر في عرف الناس وعاداتهم إن لم يكن مخالفا لما أحله .. فإن لم يجد فلينظر أين المصلحة .. وليجعل تحقيق المصلحة هو مناط الحكم. على أن مالك بن أنس لم يوفق إلى هذه الأفكار ويدلي برأي إلا بعد أن أصبح صاحب حلقة يدرس فيها. فهاهو ذا مالك بن أنس تجري به السنون لتعدو الأربعين، وقد يلزم الفقهاء نحو ثلاثين عاما، فتلقى عنهم الأحاديث النبوية، ومحصها وحقق إسنادها وتدارس معهم ما ينبغي لاستنباط الأحكام التي تواجه قضايا لم تعرض من قبل، وتعلم منهم الكتاب والحكمة، وتفكر في خلق السماوات والأرض وأحوال العباد، وتدارس معاملات الناس، فتكون له رأي خاص، واستقل بنظره في كل أمور الدنيا والآخرة اتبع في بعضه السنة وأفكار السلف الصالح وعمل أهل المدينة وأعرافها وعاداتها. واستنبط الأحكام في بعضه الآخر بما يحقق المنفعة ويدرأ المفسدة. جاء الوقت الذي ينبغي له فيه أن يجلس إلى أحد أعمدة الحرم النبوي، ويجعل له حلقة خاصة يفتي فيها الناس ويعلمهم ما علم رشدا ويطرح عليهم ما تكون له من فقه وما استقر عنده من تأويل الأحاديث. وكان مالك قبل أن يجلس ليعلم الناس ويفتيهم، وقد اختلف مع أستاذه ربيعة، فرأى مالك أن يستقل بحلقة، أقترحها عليه مشايعوه، غير أنه لم يفعلها من فوره بل طاف على سبعين من أصحاب الحلقات والشيوخ في المسجد النبوي، يعرض عليهم فقهه، ويستأذنهم في أن يجلس ليعلم الناس. وأجازه له أساتذته لم يختلف على إجازته أحد، اختار المكان الذي كان يجلس فيه عمر بن الخطاب ليستروح منه جلال الأيام الرائعة الماضية، حين كان كل الصحابة يعيشون في المدينة المنورة .. أمسكهم فيها عمر لا يبرحونها إلا بإذنه، لكي يعلموا الناس، ولكي يستشيرهم إذا احتاج الأمر، ولكيلا يفتن بهم أهل الأقطار الأخرى من حديثي العهد بالإسلام. وكان مالك بن أنس من قبل قد اختار سكنا له دار الصحابي عبد الله بن مسعود، ليخفق منه القلب بنبضات عصر النبوة .. ذلك العصر المضيء بنور الإيمان والمعرفة والشوق المقدس العظيم إلى صياغة عالم جديد من الطهارة والإخاء والنبل والعدالة والحرية والسكينة والنعيم .. لقد أثث مالك بن أنس داره بأجمل أثاث، وزينها بأحسن زينة وملأ أجواءها بعرف البخور المعطر. ذلك أن الحياة أقبلت عليه .. فنال راتبا كبيرا من بيت المال، ثم توالت عليه هدايا الخلفاء فقد اقتنع الخلفاء برأيه في أن أهل العلم يجب ألا يشغلوا عنه بالسعي في طلب الرزق، بل يجب أن يكون لهم نصيب من بيت المال، فينال منه رواتب منتظمة كبيرة، كما ينال قواد الجيش الذين يقومون على حماية الأمة وسد الثغور .. فنشر العلم سد للثغور الروحية أمام الجهل، والتوفر على نشر العلم جهاد. وإذن فينبغي أن يكون لكل من العالم وطالب العلم جزاء المجاهدين كل بقدر ما يكفيه. إن العلماء ليحمون أرواح الناس وعقولهم من الضلال، فمن واجب ولي الأمر أن يوفر لهم من المال ما يكفل لهم الحياة الكريمة والمظهر اللائق الحسن كخير ما ينعم به الولاة والأمراء وحماة الثغور. على أنه كان يغدق من راتبه ومما يتلقى من هدايا على الفقراء من طلاب العلم يعطيهم ما تيسر من المال ويطعمهم أشهى طعام .. وكان حفيا بمأكله يختار الأطايب من كل صنف وكان مولعا بالفاكهة وخاصة الموز ويقول عنه: "لا شيء اكثر شبها بثمرات أهل الجنة منه، لا تطلبه في شتاء ولا صيف إلا وجدته .. قال تعالى "أكلها دائم وظلها .. ". وكان يحض تلاميذه على الاهتمام بحسن التغذية، فالغذاء الجيد يبني الجسم السليم .. والعقل السليم في الجسم السليم. ومكابدة العلم تحتاج إلى عقول نشطة تصونها أجساد قوية .. وهكذا عاش منذ بدأ يجلس للإفتاء والتدريس: جسد قوي، عقل نفاذ .. طعام حسن ومسكن جيد وثياب أنيقة بيضاء من خير ما تنتجه مصر وخرسان وعدن. وألف الناس كلما دخلوا المسجد النبوي بعد صلاة الفجر أن يجدوا رجلا مهيبا طويلا فارعا أشقر، أبيض الوجه، واسع العينين، أشم الأنف، كبير اللحية، مفتول الشارب، يتخذ مكانه في هدوء، ويتحدث في صوت عميق صادق مستندا إلى عمود ومن حوله حلقة من تلاميذه، كأن على رؤوسهم الطير. فإذا دخل غريب وألقى السلام لم يرد عليه أحد إلا همسا .. فإذا سأل ما هذا؟ قيل له في صوت خفيض إنه الإمام مالك بن أنس. فقد كان يفيض إذا تكلم، وينفذ بصدقه إلى القلوب .. ولم يكن جهير الصوت، فكان تلاميذه يكادون يمسكون بأنفاسهم لكيلا يفوتهم حرف مما يقول. وكان قد خصص أياما لشرح الأحاديث النبوية الشريفة، وأياما للمسائل والفتيا .. فإذا سأله أحد في أمر لم يقع ولكنه متوقع، قال له: "سل عما يكون ودع ما لا يكون". ذلك أنه كان يرى أن كثرة الفروض مفسدة، وفيما يقع من الحوادث والقضايا الجديدة ما يكفي وما يغني عما هو متوقع .. وعندما تقدمت به السن، عقد حلقات الدرس في بيته الواسع ذي الأثاث الفاخر. ترك مجاملة الناس التي اشتهر بها "وترك حضور الجنازات، فكان يأتي أصحابها فيعزيهم، ثم ترك ذلك كله، فلم يكن يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة" وكان إذا عوتب في ذلك قال: "ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره". ذلك أنه لم يفض لأحد بسر مرضه الذي أقعده عن المسجد والناس إلا فراش الموت وكان مرضه هو سلس البول. وعندما اشتد عليه المرض بعد أن جاوز الثمانين كره أن يخرج من داره. وكان في بيته مجلسان في السنوات الثماني الأخيرة من حياته: فقال أحد تلاميذه: "إنه كان عندما انتقل درسه إلى بيته، إذا أتاه الناس تخرج لهم الجارية فتقول لهم: يقول لكم الشيخ أتريدون الحديث أم المسائل؟ فإن قالوا المسائل خرج إليهم فأفتاهم، وإن قالوا الحديث قال لهم اجلسوا، ودخل مغسله فاغتسل وتطيب، ولبس ثيابا جددا، ولبس ساجه (وهي غطاء للرأس كالتاج) وتعمم، فتلقى له المنصة، فيخرج إليهم وقد لبس وتطيب وعليه الخشوع، ويوضع عود فلا يزال يبخر حتى يفرغ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكم كان حريصا على أن ينتقي الأحاديث. وعلى الرغم من كثرة الأحاديث التي حفظها، فلم يكن يحدث بهن جميعا .. ولقد قيل له إن أحد الفقهاء يحدث بأحاديث ليست عندك فقال مالك لو أني حدثت بكل ما عندي لكأني إذن لأحمق ثم أضاف: لقد خرجت مني أحاديث لوددت لو أني ضربت بكل حديث منها سوطا ولم أحدث بها "من أجل ذلك قال عنه تلميذه الشافعي: إذا جاء الحديث فمالك النجم الثاقب". وبهذا الحرج في الحديث كان يتحرج في الفتوى .. فلا يقول هذا حلال وهذا حرام إلا إذا كان هناك نص قطعي الدلالة. وفيما عدا هذا يقول: أظن ثم يعقب فتواه مستشهدا بالآية الكريمة: "إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين". ولقد عاتبه بعض تلاميذه على تحرجه في الفتوى، فاستعبر وبكى وهو يقول: إني أخاف أن يكون لي منها يوم وأي يوم. وقال يوما لأحد تلاميذه ليس في العلم شيء خفيف. أما سمعت قول الله تعالى: "إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا؟" فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة". ولقد عاتبه بعض الناس في عنايته الفائقة بأثاث البيت، وبملبسه ومأكله فقال: "أما البيت فهو نسب الإنسان. ثم إني لا أحب لامرئ أنعم الله عليه إلا يرى أثر نعمته وخاصة أهل العلم". كان يرى في البيت أن البيت الجيد راحة للنفس والبدن، وأن الطعام الجيد يعين على نشاط الذهن، وأن حسن الثياب يكسب المرء ثقة بالذات وإحساسا بالسعادة. وهكذا عاش يستمتع بزينة الحياة الدنيا التي أحلها الله لعباده والطيبات من الرزق، نائيا بنفسه عن السياسة، راغبا عن مصاولة الحكام وإن كانوا ظالمين حتى لقد أفتى بوجوب الطاعة للحاكم حتى إن كان ظالما. ولا ينبغي الخروج عليه بالفتنة بل يسعى إلى تغييره بالموعظة الحسنة وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن ظلم ساعة خلال الفتنة شر من جور حاكم ظالم طيلة حياته. والحاكم الظالم يسلط الله عليه ما هو شر منه والله يرمي ظالما بظالم. وعلى هذا سار أيام الأمويين، ثم في دولة العباسيين .. يحاول جهده أن يكون على الحياد. ولكنه على الرغم من كل شيء لم يعش بمنجاه عن بطش الذين أفتى بوجوب طاعتهم من الحكام مهما يظلمون. لم يهاجم الأمويين فأصابه منهم خير كثير ثم جاء العباسيون فزادوه من الخيرات .. وأصبح الإمام مالك رجلا غنيا، يعيش في دعة وسعة ويمنح كل وقته للعلم، ذلك أنه لم يمدح علي بن أبي طالب ولم يساند حقه في الخلافة .. وكان مدح علي هو ما يغيظ الخلفاء الأمويين العباسيين. وآثر الحياد، وترك السياسة، وأشفق على نفسه وعلى أهل المدينة بما رأى في شبابه من مذابح بعد ثورة الخوارج ونهضة الإمام زيد بن علي زين العابدين، على أن السياسة لم تتركه ولم ينفعه حياد.!. وهو يشرح في المسجد الحديث الشريف: ليس على مستنكره يمين .. "ويبين للناس أن من طلق مكرها لا يقع منه طلاق، إذ بأحد أحفاد الحسن بن علي وهو محمد النفس الذكية، يثور على الخليفة المنصور، لأنه أخذ البيعة لنفسه قسرا فبايعه الناس مستكرهين. وإذ ببعض الناس في المدينة ينتقض بيعته للمنصور وينضم لمحمد النفس الزكية إعمالا لهذا الحديث وتطبيقا للسنة. وأرسل والي المدينة إلى الإمام مالك أن يكف عن الكلام في هذا الحديث، وأن يكتمه عن الناس، لأنه يحرضهم على الثورة ونقض البيعة. ولكن الإمام مالك أبى أن يكتم هذا العلم، فكاتم العلم ملعون وظل يفسر الحديث غير آبه بتهديد والي المدينة، وأطلق الحكم الذي جاء به الحديث على كل صور الإكراه في المعاملات والحياة. فأمر والي المدينة رجاله فضربوا مالكا أسواطا، ثم جذبوه جذبا غليظا من يده، وجروه منها فانخلع كتفه .. ثم أعادوه إلى داره وألزموه الإقامة بها لا يخرج منها حتى للصلاة ولا يلقى فيها أحداً. وفزع الناس في المدينة إلى الله يشكو الظالم، وثار سخطهم على الوالي والخليفة نفسه وغضب الفقهاء والعلماء من كل الأنصار والأقطار. فهاهو ذا عالم يلتزم الحياد، ينأى بنفسه عن السياسة ودوران دولاتها، ويعكف على العلم ويشرح للناس حديثا نبويا صحيحا، ويبصرهم بأحكام هذا الحديث فإذا بالدولة بكل قوتها تبطش به، وهو عالم لا يملك إلا قوة العلم وما يستطيع بعد كتمان هذا العلم؟ .. وأخذ الناس يلعنون والي المدينة والخليفة المنصور الذي ولاه ويتهمون الخليفة نفسه. وقمع المنصور ثورة النفس الزكية، وقتله هو وآل بيته وصحبه وأتباعه شر قتلة ومثل بأجسادهم .. واستقر له الأمر. فاستقدم الخليفة المنصور مالكا ليسترضيه ولكن مالكا لم يقم ولم يبرح محبسه في منزله. فأمر المنصور والي المدينة فأطلق سراح مالك .. ثم جاء المنصور بنفسه من العراق إلى الحجاز في موسم الحج، واستقبل الإمام مالك بن أنس. وقال الخليفة معتذرا: "أنا أمرت بالذي كان ولا عملته. أنه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم، وإني أخالك أمانا لهم من عذاب، ولقد رفع الله بك عنهم سطوة عظيمة فإنهم أسرع الناس إلى الفتن". ثم أضاف الخليفة أنه استحضر والي المدينة مهانا وحبسه في ضيق، وأمر بألا يغال في إهانته، وأن ينزل به من العقوبة أضعاف ما نال منها الإمام مالك ابن أنس. فقال الإمام مالك: "عافى الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه فقد عفوت عنه لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنك". قال الخليفة المنصور: "فعفا الله عنك ووصلك" .. ووهبه المنصور مالاً كثيرا وهدايا ثمينة ثم أضاف: "إن رابك ريب من عامل (وال) المدينة أو مكة أو عمال (أي ولاة) الحجاز في ذاتك أو ذات غيرك، أو سوء أو شر بالرعية فاكتب إلي أنزل بهم ما يستحقون". على أن الإمام مالك بن أنس لم يكتب إلى الخليفة، على الرغم مما سمع وعاين من شر بالرعية في جميع أنحاء الحجاز، بل اكتفى بتوجيه النصح والموعظة الحسنة إلى هؤلاء الولاة. على أن الخليفة المنصور لم يترك الحجاز حتى طلب من الإمام مالك أن يضع كتابا يتضمن أحاديث الرسول وأقضية الصحابة وأثارهم، ليكون قانون تطبقه الدولة في كل أقطارها بدلا من ترك الأمر لخلافات المجتهدين والقضاة والفقهاء .. وكان ابن المقفع الكاتب قد أشار على الخليفة من قبل بإصلاح القضاء وتوحيد القانون في كل أرجاء الدولة .. قال المنصور للإمام مالك: "ضع للناس كتابا أحملهم عليه" فحاول مالك أن يعتذر عن المهمة ولكن المنصور ألح: "ضعه فما أحد اليوم أعلم منك" فقال مالك: "إن الناس تفرقوا في البلاد فأفتى كل مصر" أي قطر" بما رأى فلأهل المدينة قول، ولأهل العراق قول "فقال الخليفة المنصور: "أما أهل العراق فلا أقبل منهم، فالعلم علم أهل المدينة" فقال مالك: "إن أهل العراق لا يرضون علمنا" فقال المنصور: "يضرب عليه عامتهم بالسيف وتقطع عليه ظهورهم بالسياط". واقتنع مالك برأي الخليفة، لأنه هو نفسه كان فكر من قبل، أن يجمع الأحاديث النبوية في كتاب يضم مع الأحاديث أثار الصحابة، ليجتمع المجتهدون والفقهاء والقضاة على رأي واحد وانقطع الإمام عاكفا على إعداد الكتاب وأخذ يكتب وينقح ويحذف أضعاف ما يثبت، وينقح ما يثبت وأسمى كتابه الموطأ. والموطأ لغة هو المنقح. ولبث ينقح في الكتاب سنين عددا، وخلال تلك السنين أخرج منافسوه من علماء المدينة كتبا كثيرة في الأحاديث وأثار الصحابة أسموها الموطأت، وسبقوه بها .. فقيل لمالك: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب وقد شركك فيه الناس وعملوا أمثاله. وأخرجوا ما عملوا فقال: "إئتوني بما عملوا .. فاتوا به فلما فرغ من النظر فيها، قال: "لا يرتفع إلا ما أريد به وجه الله. أما تلك الكتب فكأنما ألقيت في الآبار وما يسمع بشيء منها يذكر بعد ذلك ..وفي الحق أن شيئا من تلك الكتب لم يذكر بعد، وكأنما ألقيت في الآبار .. أما كتاب الموطأ فقد أنجزه مالك بعد أن قضى المنصور وجاء بعده خليفة وخليفة ثم جاء هارون الرشيد فأراد أن يعلق كتاب الموطأ في الكعبة ولكن الإمام مالك بن أنس أبى. والإمام مالك بن أنس من أفقه الناس بالحديث وأثار الصحابة .. والرأي عنده سنة فقد وعى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: أنا أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي ونقل الإمام مالك عن الرسول أنه عليه السلام كان يشاور أصحابه ويأخذ برأيهم .. وحفظ الإمام مالك من آراء الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ذهب إليه رجل ينكر ولده لأن امرأته جاءت به أسود والأب أبيض والأم بيضاء، فقال له الرسول عليه السلام هل لك إبل؟ قال: نعم قال: فما ألوانها قال: "حمر" فسأله عما إن كان فيها "رمادي" فقال الرجل: "نعم" فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم من أين؟ فقال لرجل: "لعله نزعه عرق. فقال الرسول عليه السلام وهذا لعله نزعه عرق" وعلى مالك هذا الاجتهاد من الرسول، ووعى صورا عربية أخرى من أخذه بمشورة الصحابة فيما لم ينزل فيه وحي، فاجتهد مالك هو الآخر معتمدا على حسن الفقه بالقرآن الكريم، وعمق العلم بالناسخ والمنسوخ، ودلالات النصوص ظاهرها وخفيها، وأسرار الأحكام في القرآن، وحسن معرفة الأحاديث وأثار الصحابة .. وقد عرف كل أثار الصحابة إلا فقه الإمام علي بن أبي طالب، إذ صادره الأمويين وحجبوه، وطارده العباسيون .. غير أن ذلك الفقه كان في حدود البيت وشيعتهم، وفي كتب يتداولونها خفية. ولقد أتيح للإمام مالك أن يعرف الإمام جعفر الصادق صداقة وتدارساً معا .. وحمل كل واحد منهما تقديرا عظيما لصاحبه. وفي الحق أن الإمام مالك قد أفاد من صحبة الإمام جعفر الصادق وأخذ الاعتماد على العقل فيما لم يرد فيه نص غير أنه أسماه بالاستحسان أو المصلحة المرسلة فقضى بما يحقق مقاصد الشريعة من توفير المصلحة وجلب النفع ودفع الضرر .. واعتبر المصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة، ووازن بين المصالح وأولاها بالرعاية لتكون هي مناط الحكم. وكما أعطى أعمال العقل لفقه الإمام الصادق ثراء وتجددا، فقد أثرى الفقه المالكي باعتماد المصلحة أساسا للحكم حيث لا نص .. ويقول الإمام مالك عن علاقته بالإمام جعفر الصادق: "كنت آتى جعفر بن محمد، وكان كثير المزاح والتبسم فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم أخضر وأصفر. ولقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليا وإما صائما وإما يقرأ القرآن، وما رأيته قط يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على الطهارة ولا يتكلم فيما لا يعنيه. وكان من العلماء الزهاد العباد الذين يخشون الله. وما رأيته قط إلا يخرج الوسادة من تحته ويجعلها تحتي". أفاد الإمام مالك من صحبة الإمام جعفر وأخذ عنه كثيرا من طرق استنباط الحكم ووجوه الرأي وأخذ عنه بعض الأحكام في المعاملات، وأخذ الاعتماد على شاهد دون شاهدين، إذا حلف المدعي اليمين كما أخذ من الإمام الصادق جعفر بن محمد أخذ من أبيه الإمام محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب .. لزم مالك مجلس الإمام محمد الباقر وابنه الإمام جعفر وتعلم منهما على الرغم من أن رأيه في الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لا يرضي آل البيت وشيعتهم .. فقد فضل عليه أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم وجعل الإمام عليا كرم الله وجهه ورضى عنه كسائر الصحابة .. ولئن أغضب هذا الرأي آل البيت والشيعة جميعا، أنه ليرضي الخلفاء الأمويين الذين أنكروا حق علي ونازعوه الخلافة واغتصبوها منه، وذبحوا الحسين وآله في كربلاء، وذبحوا كل من ثار من آل البيت كزيد بن علي بن الحسين .. وهذا الرأي يرضى الخلفاء الأمويين كما أرضى من بعدهم الخلفاء العباسيين الذين رأوا أن الخلافة تحق لبني العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ولا تحق لبني علي وفاطمة .. وأغروا أحد الشعراء بأن يقول إن بني البنات (يعنون فاطمة الزهراء رضي الله عنها) لا يرثون بل يرث الأعمام (يعنون العباس) أني يكون وليس بكائن لبني البنات وارثة الأعمام وقد كان رأي مالك بن أنس حريا، بأن يعطف عليه قلوب الخلفاء الأمويين والعباسيين وهذا ما كان. غير أن الإمام مالك بن أنس لم ينافق الخلفاء. وإذا كان لم يجهر بالاحتجاج على مظالمهم، فقد اختار أن يوجه إليهم الموعظة الحسنة كلما اقتضى ـ كما لقيهم في موسم الحج أو في زيارة الحرم النبوي. وأنكر عليه أحد تلاميذه أنه يتصل بالأمراء وبالخلفاء لأنهم ظالمون وما ينبغي أن يتصل بهم رجل صالح كالإمام مالك بن أنس .. فرد مالك: "حق على كل مسلم أو رجل جعل الله في صدره شيئا من العلم والفقه أن يدخل على ذي سلطان يأمره بالخير وينهاه عن الشر" وربما يستشير السلطان من لا ينبغي فخير أن يدخل عليه العلماء الصالحون .. وعندما ألح عليه تلاميذه في إنكار علاقاته بالخلفاء والأمراء قال: "لولا أني آتيتهم ما رأيت للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه المدينة سنة معمول بها". وفي الحق أنه كان يعظهم احسن موعظة، الموعظة الحسنة لأولي الأمر خير من الثورة عليهم واشتعال الفتنة التي لا تصيب الذين ظلموا خاصة فقد تلتهم الظالمين والضحايا الأبرياء جميعا. كان مالك .. يسر النصيحة إلى ولي الأمر بحيث لا يحرجه أمام الرعية ويصوغها بحيث تقع موقعا حسنا. رأى أحدهم يذهب إلى الحج في موكب فخيم وسرف الترف باد عليه فقال له: كان عمر بن الخطاب على فضله ينفخ النار تحت القدر حتى يخرج الدخان من لحيته وقد رضى الناس منك بدون هذا. وقال لآخر: "افتقد أمور الرعية، فإنك مسئول عنهم، فإن عمر بن الخطاب قال والذي نفسي بيده لو هلك جمل بشاطئ الفرات ضياعا لظننت أن الله يسألني عنه يوم القيامة". وكتب خليفة آخر: "أحذر يوما لا ينجيك فيه إلا عملك وليكن لك أسوة بمن قد مضى من سلفك "وعليك بتقوى الله". وكان أحد الولاة يزور الإمام مالك بن أنس في بيته، ويسأله النصيحة .. فأثنى على الوالي بعض الحاضرين، فغضب مالك، وكان بعيد الغضب، وصاح في الوالي ـ وقلما كان يصيح ـ: "إياك أن يغرك هؤلاء بثنائهم عليك، فإن من أثنى عليك وقال فيك من الخير ما ليس فيك، أوشك أن يقول فيك، من الشر ما ليس فيك .. إنك أنت أعرف بنفسك منهم .. ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احثوا التراب في وجوه المداحين" وكان عليه الصلاة والسلام يعظ صاحبته أن كثرة المدح تضيع الممدوح. وعندما بلغ مالك من الكبر عتيا كانت شهرته طبقت الآفاق حقا، وكان يلزم بيته في السنوات الأخيرة لا يخرج إلا نادراً واضطر إلى أن يتخذ له حاجبا ينظم دخول الناس كما يصنع الخلفاء، وقد اتخذ له بيتا آخر واسعا غير دار بن مسعود فيه عدد من الجواري الحسان والخدم. وكان يحرجه أن يرفض استقبال أحد، وله أصدقاء كثير. واستخلص العبرة من كل حياته الماضية وأفضى بنصيحة إلى أحد تلاميذه ليبثها في الناس من بعده: "إياكم ورق الأحرار" سأله تلميذه: "وما رق الأحرار؟" قال الإمام مالك "كثرة الأخوان .. فإن كنت قاضيا ظلمت أو اتهمت بالظلم، وإن كنت عالما ضاع وقتك". وكان مالك يشكو كثرة الأصدقاء، إذ لا حيلة له معهم، فلا هو يستطيع أن يردهم عنه، ولا هم يتركونه يعمل أو يعتكف في داره للعلم كما ينبغي له .. ومهاما يكن من أمر فقد أغنى مالك الفقه الإسلامي برأيه في المصلحة وجعلها مناط الأحكام وأساسه فيما لم يرد فيه نص ملزم بالإباحة أو المنع، وفي أخذه بالذرائع فما يؤدي إلى الحلال حلال، وما يؤدي إلى الحرام حرا .. فأنت حر في ملكك ولكنك في حريتك يجب ألا تضر غيرك فإذا حفرت بئرا خلف بابك تؤدي إلى سقوط الداخل إليك وهلاكه فهذا حرام .. لأن حفر البئر ذريعة لإهلاك الغير فهو ممتنع .. والبيع بأقساط ترفع الثمن الأصلي الذي تدفعه معجلا ذريعة إلى الربا فهو حرام ويجب على ولي الأمر منعه .. فالأقساط يجب أن تكون ذريعة للتيسير على المشتري لا ذريعة لقهرة على اقتراف الربا، وحمله على دفع ثمن اكبر. وبهذا النظر حرام الاحتكار لأنه يحقق مصلحة لفرد أو لأفراد قلائل ويجلب الضرر على الآخرين .. فالمحتكر يغالي في السعر كيفما شاء، وعامة الناس مضطرون إلى قبول ما يفرضه وفي هذا ضرر بهم كبير والمحتكر ملعون، بنص الحديث الشريف. وقد أخذ الإمام مالك في فتاواه وآرائه بالقرآن والسنة والإجماع وعمل أهل المدينة ورعاية المصالح، أفتى بأمور كثيرة خالفه فيها بعض العلماء والفقهاء والمجتهدين. فقد أفتى مالك بحق الزوجة في الطلاق إذا لم ينفق عليها زوجها، أو إذا ظهر لها عيب فيه لم تكن تعرفه وقت العقد .. عيب أي عيب جسديا كان أو خلقيا .. وأفتى أن ديون الله ـ كالزكاة ونحوها وما يمكن أن نسميه بالضرائب في أيامنا هذه ـ لا تؤخذ من التركة إلا إذا اعترف المورث بها قبل وفاته .. وحتى إذا ثبتت هذه الديون بأي طريق آخر من طرق الإثبات، فديون العباد مقدمة عليها .. لأن العباد "والأفراد" يضارون بعدم دفع ديونهم اكثر من الدولة .. أما عن ديون الله كالزكاة فالله غفور رحيم. وأفتى بأن الحمل قد يستمر في بطن أمه ثلاث سنوات. ولقد سخر منه بعض خصومه وزعموا أنه يشجع على الفساد نساء غير صالحات من المطلقات أو ممن يغيب أو يموت عنهن الأزواج. وأفتى بأن من يبني جدارا في ملكه ليمنع الشمس والهواء عن جاره، معتد آثم يجب هدم جداره، وإن زعم أنه يقصد حماية أهل بيته من أعين الجيران. وأفتى بعدم جواز صيام ستة من شوال (وهي ما نسميه بستة الأيام البيض). ورفض الاعتراف بالحديث الخاص بهذا الصيام وأنكره .. وصيام ستة أيام من شوال. يؤدي إلى زيادة رمضان. وهذا الامتناع عن صيام ستة من شوال هو ما يعمل به أهل المدينة .. سنة عن الرسول أخذها آلاف عن آلاف أولى بالاتباع من حديث نقله آحاد عن آحاد وأفتى مالك بوجوب وضع ضوابط لحق الرجل في الطلاق وفي الزواج بأكثر من واحدة بحيث لا تضار الزوجة أو الأولاد، وبحيث تكون مصلحة الأسرة هي العلة والأساس والأجدر بالرعاية. وأفتى مالك بأن الأعراف والعادات يجب احترامها في استنباط الأحكام ما لم تتعارض مع نص صريح قطعي الدلالة. وأفتى بأن المحظور يجوز أن يقترف لأن فيه دفعا لمضرة اكبر .. أنه ليرى الشريعة مبنية على جلب المنافع والبعد عما يكون طريقا إلى المفاسد .. فكل وسيلة من وسائل العمل يجب أن ينظر إلى نتائجها فإن كانت النتيجة مصلحة فالعمل مباح وإن كانت فسادا وجب منع هذا العمل. ولقد ذاع فقه مالك في كل الأمصار والأقطار، وكان في هذا الفقه ما يحمل له عناصر التجديد كالأخذ بمراعاة تحقيق المصلحة إن لم يوجد نص يبيح أو يمنع، وهو نظر أخذه من فقه الإمام جعفر الصادق بإعماله العقل في استنباط الحكم حيث لا يكون نص، وحكم العقل يقضي بالبحث عما يجلب المنفعة ويبعد الضرر. تحقيقا لمقاصد الشريعة. وقد نما فقه مالك واتبعه وأغناه كثير من المفكرين والمجتهدين والفقهاء من بعده منهم فليسوف الأندلس ابن رشد .. غير أن بعض معاصري مالك عارضوه معارضة عنيفة وخالفه ونقده بعض أصحابه منهم الليث بن سعد فقيه مصر، وتلميذه الشافعي .. ولقد أرسل إليه صاحبه الليث بن سعد رسالة طويلة ذكره فيها بأن عمل المدينة لم يعد سنة بعد ولا يمكن اتباعه بعد عصر الرسول والخلفاء الراشدين فالصحابة خرجوا من المدينة بعد مقتل عمر، وتفرقوا في الأمصار، وبثوا فيها فقههم. لقد كان أوائل أهل المدينة في زمن الرسول عليه السلام هم خير الأوائل ما أو أخرهم في زمن مالك، فلم يعودوا كذلك بعد .. ولو ينس الإمام الليث بن سعد فقيه مصر أن يسأل صاحبه الإمام مالك بن أنس إن كان في حاجة إلى مال! ومهما يكن من أمر الخلاف بين مالك وتلاميذه، فقد عاش مذهب الإمام مالك وتجدد حتى لقد أخذت قوانين الأحوال الشخصية في مصر منذ مطلع هذا القرن الميلادي حتى القوانين الأخيرة 1979 ميلادية من هذا المذهب. على أن الذين خالفوا الإمام مالك بن أنس من صحبه وتلاميذه كانوا يحملون له كل الإجلال والتقدير والاحترام .. قال عنه تلميذه الشافعي: إذ ذكر الحديث فمالك هو النجم الثاقب. أما صاحبه الليث بن سعد الذي صاحبه عمرا طويلا، وراسله، ووصله بالمال والهدايا، واختلف معه آخر الأمر، فقد قال عنه أثناء الخلاف وعلى الرغم من الخلاف "مالك وعاء العلم". آخر تعديل بو حمد يوم May 23rd, 2008 في 10:05 PM. |
|
| |
| | رقم المشاركة : 7 |
![]()
|
يعطيك العافيه لنوشه لك اهتمام واضح في الشخصيالت الاسلاميه ا5) سوف ابرز هنا بعض من جوانب حياة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمة الله عليه هو الإمام العالم العلامة الصالح الورع الزاهد، أحد الثلة المتقدمين بالعلم الشرعي، انتفع به المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها في الفتوى والعلم ، ناصر السنة وقامع البدعة، أبو عبدالله عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله آل باز ــ آل باز ـ أسرة عريقة في العلم إلى جانب التجارة والزراعة، معروفة بالفضل والأخلاق. ومن أعيان هذه الأسرة: الشيخ عبدالمحسن بن أحمد آل باز المتوفى سنة 1342هـ الذي تولى القضاء بالحوطة ثم الإرشاد في هجرة الأرطاوية . والشيخ مبارك بن عبدالمحسن بن باز، والشيخ حسين بن عثمان بن باز، وقد تولوا القضاء في عدد من مناطق المملكة . أما أصلهم فمن المدينة المنورة، وقد انتقل أحد أجدادهم منها إلى الدرعية ثم انتقلوا بعد ذلك إلى حوطة بني تميم . يقول الشيخ عبدالعزيز بن باز عن عائلته : إن أصلهم من الرياض، وطائفة منهم في الحوطة، وطائفة في الأحساء، وطائفة في الحجاز، وكلهم يرجعون لنفس العائلة، وهناك أناس يقال لهم : آل باز في الأردن، ومصر وفي بلاد العجم ولا نعرف عنهم شيئاً، ولكن بعضهم يدّعي أنه من آل البيت وهم الموجودون في الأردن . مولده : ولد الشيخ في مدينة الرياض في ذي الحجة سنة 1330هـ، وترعرع فيها وشب وكبر فيها. نشأته: نشأ ابن باز في أسرة يغلب على الكثير من فضلائها طلب العلم وعلى بعضها عمل التجارة، والبعض العناية بالزراعة، ونشأ يتيماً في حضانة والدته: هيا بنت عثمان بن عبدالله الخزيم، فوالده توفي في ذي القعدة من عام 1333هـ وعمره ثلاث سنوات، وقد اعتنت به والدته، وخاصة في توجيهه إلى طلب العلم الشرعي منذ نشأته، وكانت البيئة التعليمية فيذلك الوقت عامرة بالعلم الشرعي عن طريق التعليم في المساجد والكتاتيب، فبدأ الشيخ تعليمه بحفظ القرآن الكريم كما هي عادة السلف الصالح، إذ يجعلون القرآن الكريم أول المصادر العلمية، فيحفظونه ويتدبرونه، ويعون أحكامه وتفاسيره، ومن ثم ينطلقون إلى بقية العلوم الشرعية، وقد كان الشيخ مبصراً في أول حياته، ثم أصابه المرض في عينيه عام 1346هـ ثم ذهب بصره بالكلية في عام 1350هـ وهو ابن عشرين عاماً تقريباً، ومع ذلك كله استمر في طلب العلم، ثم فجع بوفاة والدته عام 1356هـ ومع ذلك صبر الشيخ في طلب العلم والتزود من العلوم والمعارف. عبادته وزهده العبادة شأنها عظيم، فمن عباد الله من هو ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله. أما الشيخ ابن باز رحمه الله فكان كثير التعبد والتنفل، وكان مثالاً يحتذى به في حرصه على العبادة، وفي تبكيره إلى المسجد، وفي محافظته على السنن والرواتب وعلى الأذكار في كل الأحوال. فالشيخ، ولي صالح وعبد صادق، رقيق القلب كثير الذكر، سريع الدمعة يقول عنه الشيخ عبدالله المجلي أحد أبرز الملازمين له ( إن الشيخ ابن باز عابد زاهد ورع صوّام قوّام، كثير العبادة والاستغفار، شديد الخوف من الله لا يترك باب طاعة إلا يسلكه، ولا عمل خير إلا ويسير فيه، متمسك بالسنة مطبق لها في كل جوانب حياته، فهو بحق يمثل الإسلام كله في حياته .. فهو يداوم على قيام الليل، والسنن والرواتب، وسنة الضحى وغيرها وجميع الأذكار، حج اثنتين وخمسين حجة، وكان يزور المرضى ويشيع الجنائز ويصوم الاثنين والخميس من كل أسبوع، ويختم القرآن كل ثلاث أو أربع ليال على الرغم من كثرة مشاغله وأعبائه العلمية. ومن حرصه على وقته أنه لا يجعله يذهب إلا وهو في عبادة تقربه من الله عز وجل سواء كان في السيارة، أو في العمل، أو في بيته. يقول الدكتور ناصر الزهراني إمام جامع الشيخ ابن باز في مكة المكرمة: (الشيخ ابن باز لا يفتر لسانه من ذكر الله أبداً، بل لقد كنت أرقبه وهو يرد على المتصلين، فأراه في أثناء انصاته لحديث المتصل يلهج بالذكر وبعد الصلوات لا يقوم من مصلاه إلا وقد أتى بالأذكار كلها، فلقد كانت محبة الله وعظمته والتعلق به ظاهرة جلية ينطق بها لسانه، ويخفق بها جنانه ويسطرها بنانه وهذا سر من أسرار التوفيق في حياته، والبركة في عمره وعلمه). ومن زهده أيضاً تبرعه بجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام لدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة . وقد نال الشيخ الجائزة عام 1402هـ وذلك بقرار لجنة الجائزة رقم 11/68/89 وتاريخ 10/8/1398هـ وقد ذكرت اللجنة أسباب نيل الجائزة وذلك لخدماته الجليلة المتمثلة في خدمة الإسلام والمسلمين . ويقول عنه تلميذه الشيخ عبدالعزيز السدحان: (إن الشيخ ابن باز في هذا العصر ضرب لنا مثلاً عجيباً في زهده في الدنيا، فعلى رغم ما بلغ من المنصب والجاه واحترام جميع طبقات المجتمع له، مع هذا كله فقد كان مسخرّاً ذلك لنفع المسلمين ، ومن تواضعه وزهده أنه لا يحتاج في تنقله اصطحاب موكب رسمي يرافقه ) . وذكر عنه مدير مكتب منزله الشيخ محمد بن موسى فقال : ( لا يكاد يُعرف في زماننا أزهد من سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، مع أن الدنيا تقبل عليه وتتزين له إلا أنه زاهد فيها، مشيح بوجهه عنها، فلا أذكر يوماً من الأيام أنه سال عن راتبه، ولا عن مقداره، ولا عن زيادته، ولا عن وقت مجيئه، ولا أذكر أنه سأل عن انتدابه أو عن رصيده أو حسابه ولا أذكر أنه تكلم ببيع ولا شراء، أو أمر من أمور الدنيا، بل كان كثير الوصية بالتحذير من الاغترار بالدنيا وسماحته كان يعيش عيشة القناعة والزهد والكفاف، فلم يكن يتطلع إلى مال أو جاه أو منصب، بل كان ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر ، وكان زاهداً بالجاه والمراتب والمديح وحب الذكر، وكان يكره الحديث في تغيير أثاث منزله أو سيارته، ومما يدل على زهده كثرة إنفاقه وأسقاط الدين عمن اقترض منه ولو كان كثيراً، ومن صور زهده، زهده في المديح والإطراء فإذا قرأنا عليه الرسالة التي تفيض بالحب والدعاء والثناء على سماحته قال لنا: اتركوا المقدمة إقرءوا المقصود، وماذا يريد صاحبها؟ أنا لا أحب أن أسمع مثل هذا الكلام وإذا مدح تغير وجهه وقال : الله يتوب على الجميع، الله يستعملنا وإياكم فيما يرضيه. ولهذا قيل عنه: وزهده في الدنيا لو أن ابن أدهم رآه ارتأى فيه المشقة والعسرا وكم رامت الدنيا تحل فؤاده فأبدى لها نكرّا وأوسعها هجراً. أخلاقه وأعماله أولاً : أخلاقه: كان الشيخ على قدر عظيم من حسن الخلق، حتى أصبح من سجيته يتعامل به دون أي تكلف أو تصنع، فأخلاقه ربانية لا تهدف إلى مقاصد مادية بل هي موافقة للشرع المطهر، اتخذ من محمد صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة تمثلت في تطبيقه للسنة النبوية علماً وعملاً، فقد تميز رحمه الله برحابة الصدر وسعة البال، فكان يستقبل الناس صغيرهم وكبيرهم ، جاهلهم وعالمهم، حاكمهم ومحكومهم، بتواضع جم وأدب رفيع، فهو لا يغضب عند كثرة الأسئلة أو الاستفسارات ويتعامل مع الضعفاء والجهال بكل حلم، كما أنه يصبر على الزحام وعلى مضايقات بعض النفوس الضعيفة وعلى كثرة إلحاحهم، لأنه يحمل قلباً رحيماً عطوفاً على الجميع، لا فظاً ولا غليظاً، هين لين ، خالق الناس بخلق حسن فالخلق صورة الإنسان الباطنية، وهو أساس الفضائل وينبوع المكارم وعين الكمال، ضبط الشيخ أخلاقه بضابط الشرع، ووزنها بميزان الدين. ومن أشهر مزاياه الأخلاقية: إحسانه إلى الناس، وبذل المعروف، والصدق والوضوح، والصراحة مهما كان الأمر، وقد اشتهر بالأمانة على دين الله، فإذا قال ابن باز قولاً اطمأنت النفوس وهدأت الجوانح إلى قوله، واشتهر بالأمانة على أموال الناس فكانت تدفع له الصدقات والتبرعات وغيرها ليصرفها لمستحقيها ، وما ذلك إلا لثقتهم به، واشتهر أيضاً بالحلم فقد كان حليماً صابراً متجلداً، يحبس نفسه ويكظم غيظه، ويضبط حنقه بالذكر والدعاء حتى ينطفى ما وقع له. وبالجملة فقد كان رحمه الله حريصا على السنة ملازماً للأدب، رحب الصدر، طويل الحلم، أريحي النفس، حسن الظن عظيم الرجاء واسع الفأل متوكلاً على الله، مجتهداً في الأسباب، غيوراً على الحرمات رحيماً بالناس رفيقاً بهم، لطيفاً معهم، عطوفاً عليهم، راغباً في قضاء حوائجهم، ناصحاً لهم مكرماً إياهم، محسناً إليهم، حريصاً على هدايتهم مشتغلاً بنفعهم، فهو أنفع الناس للناس. فهذه الأخلاق التي تجلت في شخص ابن باز مدارها على القرآن والسنة وسيرة السلف الصالح، حيث نشأ عليها متعلماً وعاملاً معلماً، فسارت في حياته كما يسير الدم في جسمه، وكيف لا! وسميره كتاب الله، ومبيته مناجاة لله، ونهاره دعوة إلى الله، فرحمه الله رحمة واسعة. ثانياً: أعماله: كان للشيخ إسهامات عظيمة في كل أعماله التي تولاها، وبصمات واضحة منذ توليه القضاء حتى الإفتاء، وقد تدرجت مسيرته مع العلم والعطاء خلال عدة محطات رئيسة، قدم فيها القدوة والمثال، واكتسب كثيراً من الخبرات التي أضافت لشخصيته أبعاداً أكثر شمولية، فأول عمل تولاه: 1. القضاء في الدلم عام 1357هـ في جمادى الآخرة واستمر فيه حتى عام 1371هـ وكان طيلة تلك المدة بالإضافة إلى القضاء يقوم بإمامة الناس والإصلاح بينهم وتفقد أحوالهم وتدريس الطلبة، فتخرج على يديه الكثير من طلبة العلم الذين تبوأوا مناصب مهمة بعد ذلك. 2. بعد افتتاح المعاهد العلمية بالرياض، انتقل للعمل مدرساً فيها وذلك عام 1372هـ ولمدة سنة واحدة، وبعدها انتقل للتدريس في كلية الشريعة في الرياض عام 1373هـ ليمضي بها سبع سنوات، وكان في تلك الفترة يؤم المصلين في جامع الإمام تركي بن عبدالله، ويقوم بإلقاء الدروس في المسجد وفي بيته، ويلقي المحاضرات والكلمات المتنوعة في المناسبات وغيرها. 3.وفي عام 1381هـ انتقل إلى المدينة النبوية عند افتتاح الجامع الإسلامية وذلك بأمر من شيخه محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية آنذاك، ليكون نائباً له في إدارة الجامعة، ثم تولى إدارة الجامعة نفسها في عام 1390هـ بعد وفاة رئيسها الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله حتى عام 1395هـ وكان خلال وجوده بالمدينة النبوية يلقي الدروس في المسجد النبوي بالإضافة إلى المحاضرات والكلمات والندوات، ويشارك في الكتابة من خلال الصحف المجلات . 4.وفي عام 1395هـ في شوال صدر الأمر الملكي بتعينه رئيساً لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بمرتبة وزير، فرجع إلى الرياض وتولى إمامة جامع الإمام تركي، وكان في الوقت نفسه رئيساً للمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، ومجلس المجمع الفقهي، والمجلس الأعلى العالمي للمساجد. 5. وفي عام 1413هـ صدر الأمر السامي بتعينه مفتياً عاماً للمملكة العربية السعودية، ورئيساً لهيئة كبار العلماء، ورئيساً للجنة الدائمة للبحوث العلمية ورئيساً لرابطة العالم الإسلامي، بالإضافة إلى ترؤسه لدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة. أما العضويات التي شارك فيها فمنها: - عضوية المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، ورئاستها حال غياب خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ملك المملكة العربية السعودية. - عضوية الهيئة العليا للدعوة الإسلامية في المملكة العربية السعودية. - عضوية المجلس الاستشاري للندوة العالمية للشباب الإسلامي . - عضوية الصندوق الدائم للتنمية الشبابية. هذه بعض أعماله الرسمية، أما أعماله الخيرية التطوعية فله جهود دعوية كثيرة لجميع المؤسسات والمراكز الإسلامية المنتشرة في كافة أنحاء العالم، كما أن له دعمه الملموس للجهاد الإسلامي، واهتمامات بجمعيات تحفيظ القرآن الكريم الخيرية ودعم الدعاة ومساعدتهم وكفالتهم، كما أن له اهتماماً بهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمساهمة في بناء المساجد وغير ذلك، وسيأتي مزيد تفصيل ذلك في بيان جهوده الدعوية . كما تولى رحمه الله رئاسة العديد من المؤتمرات العالمية التي عقدت بالمملكة العربية السعودية، والتي مهدت له ويسرت أمامه سبل الاتصال بالكثير من الدعاة ورجال العلم، وزعماء التجمعات الإسلامية، والشخصيات البارزة في حقل الدعوة الإسلامية, ومعرفة قضايا المسلمين في كل أنحاء العالم. مرضه ووفاته أولاً: مرضه: من طبيعة الشيخ رحمه الله أنه كان جلداً صبوراً لا يشتكي ولا يتأوه مع ما مر به من أمراض شديدة في أوقات مراحل عمره، ومع ذلك لم تثنيه عما هو فيه من الجد والاجتهاد ومن الدعوة إلى الله والمثابرة على ذلك حتى إنه في مرضه الشديد أنجز كثيراً من الأعمال الموكلة به. فمرض وفاته رحمه الله بدأ منذ عام 1419ـ في شهر رمضان حيث كان يشعر بألم في البطن، فاشتد به المرض، فشكلت لجنة طبية بأمر خادم الحرمين الشريفين للنظر في حالته، وعرض عليه السفر للعلاج في الخارج فرفض فأحضر له أطباء من أمريكا وبلجيكا، فلما حضروا أوصوا بكي المري، فخف الألم قليلاً، ثم عاوده بعد شهرين وهو في الرياض، فدخل المستشفى ثم خرج منه بعد فترة لاستقرار حالته، ثم أصبحت حالته تتدنى حتى شهر ذي القعدة فنصحه الأطباء بالبقاء في المستشفى ولكن كان قلبه معلقاً بالحج. وبعد إلحاح شديد من ولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، ترك الحج ووكل نائبه الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ ليقوم مقامه بالحج، ثم قام في تاريخ 22/12/1419هـ بأداء العمرة وبقي في مكة حتى نهاية ذي الحجة، ثم انتقل إلى مقره الصيفي بالطائف، فبدأت صحته بالتدني، ومع ذلك كانت همته وعزيمته ونشاطه وعمله، ومزاجه وتفكيره، وذاكرته ودروسه ومواعظه على ما هي عليه قبل مرضه، وفي يوم الخميس 20/1/1420هـ أشتد به المرض فنقل إلى المستشفى العسكري بالهداء في محافظة الطائف، ومع هذا كانت المعاملات تقرأ عليه والمستفتون والزوار يتوافدون عليه من كل مكان، وهو يستقبلهم بتهلل وفرح وسعة بال، واستمر على هذه الحال إلى يوم الثلاثاء 25/1/1420هـ فخرج من المستشفى فاستقبل الناس في بيته وجلس لهم بعد المغرب ليلة وفاته فقرئت عليه المعاملات، ورد على الفتاوى المباشرة والهاتفية وقبل الفجر من يوم الخميس الموافق 22/1/1420هـ يقول ابنه أحمد: صلي الشيخ ما شاء أن يصلي في تلك الليلة، فاضطجع ونام، وبعد ساعة جلس في فراشه، فالتفت يميناً وشمالاً؛ فتبسم ثم اضطجع، وبعد ذلك ارتفعت نفسه وحشرجت، فنقلناه إلى مستشفى الملك فيصل بالطائف وهو يردد: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. ثانياً: وفاته: وفي صباح الخميس الموافق 27/1/1420هـ لفظ أنفاسه وهو في طريقه إلى مستشفى الملك فيصل بالطائف، ثم نقل إلى ثلاجة القوات المسلحة في الهداء حتى جاء وقت تغسيله وذلك في صباح يوم الجمعة، فنقل جثمانه إلى منزله بمكة المكرمة فغسل، وصلى عليه أهل بيته يتقدمهم فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ مفتى عام المملكة العربية السعودية، ثم صلى عليه في المسجد الحرام بعد صلاة الجمعة وذلك بأمر من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود . وقد أعلن الديوان الملكي خبر وفاته يوم الخميس الذي مات فيه ومكان الصلاة عليه ووقتها، مع أمر جميع المسلمين في مساجد المملكة بإقامة صلاة الغائب علي الشيخ يوم الجمعة الموافق 28/1/1420هـ فتوافدت الجموع الحاشدة إلى مكة المكرمة لحضور الصلاة عليه، يتقدمهم ملك المملكة العربية السعودية الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود وولي عهده الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، والنائب الثاني الأمير سلطان بن عبدالعزيز، ووزير الداخلية الأمير نايف بن عبدالعزيز، وأمير منطقة الرياض الأمير سلمان بن عبدالعزيز، وجمع كبير من الأمراء والوزراء وأصحاب الفضيلة المشايخ وكبار المسئولين في الدولة، مع أعداد غفيرة من المواطنين والمحبين للشيخ وكل هذه الجموع حضرت لأن المصاب عظيم والفاجعة بموته كبيرة، والرزية به عظيمة، وأم المصلين إمام المسجد الحرام فضيلة الشيخ محمد بن عبدالله السبيل، حيث تحدث في خطبته عن فضل العلم والعلماء وذكر بعض مآثر الفقيد، وعزى الأمة به، وصبر الناس، وبعد صلاة الجمعة قدمت الجنازة فعلا النحيب والبكاء والدعاء للشيخ، فما كادت الجنازة تصل إلى المكان الذي هو أقرب للإمام إلا بشق الأنفس لكثرة الزحام ولقد شهدها آلاف مؤلفة من المسلمين حيث سارت في موكب مهيب وسط الجموع الغفيرة إلى مقبرة العدل بمكة المكرمة يتقدمهم فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وكان ذلك اليوم يوماُ مشهوداً للجميع فرحم الله الشيخ رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعله في الفردوس الأعلى، وحشره في زمرة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين منقووول آخر تعديل بو حمد يوم May 24th, 2008 في 12:09 PM. |
|
| |
| | رقم المشاركة : 8 |
![]() | 6) الفاروق عمر بن الخطاب من هو: الفاروق أبو حفص ، عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزَّى القرشي العدوي ، ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة ( 40 عام قبل الهجرة ) ، عرف في شبابه بالشـدة والقـوة ، وكانت له مكانة رفيعـة في قومه اذ كانت له السفارة في الجاهلية فتبعثـه قريش رسولا اذا ما وقعت الحرب بينهم أو بينهم و بين غيرهم وأصبح الصحابي العظيم الشجاع الحازم الحكيم العادل صاحب الفتوحات وأول من لقب بأمير المؤمنين0 اسلامه أسلم في السنة السادسة من البعثة النبوية المشرفة ، فقد كان الخباب بن الأرت يعلم القرآن لفاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد عندما فاجأهم عمر بن الخطـاب متقلـدا سيفه الذي خـرج به ليصفـي حسابه مع الإسـلام ورسوله ، لكنه لم يكد يتلو القرآن المسطور في الصحيفة حتى قال : ( دلوني على محمد ) وسمع خباب كلمات عمر ، فخرج من مخبئه وصاح : يا عمـر والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصـك بدعـوة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ، فإني سمعته بالأمس يقول : ( اللهم أيد الإسلام بأحب الرجلين إليك ، أبي الحكم بن هشام ، وعمر بن الخطاب ) فسأله عمر من فوره : ( وأين أجد الرسول الآن يا خباب ؟) وأجاب خباب : ( عند الصفـا في دار الأرقـم بن أبي الأرقـم ) ومضى عمر الى دار الأرقم فخرج إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال : ( أما أنت منتهيا يا عمر حتى يُنزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة ؟ اللهم هذا عمر بن الخطاب ، اللهم أعزّ الدين بعمر بن الخطاب ) فقال عمر : ( أشهد أنّك رسول الله ) وباسلامه ظهر الاسلام في مكة اذ قال للرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون في دار الأرقم : ( والذي بعثك بالحق لتخرجن ولنخرجن معك ) وخرج المسلمون ومعهم عمر ودخلوا المسجد الحرام وصلوا حول الكعبة دون أن تجـرؤ قريش على اعتراضهم أو منعهم ، لذلك سماه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ( الفاروق ) لأن الله فرق بين الحق والباطل لسان الحق هو أحد العشرة المبشرين بالجنة ، ومن علماء الصحابة وزهادهم ، وضع الله الحق على لسانه اذ كان القرآن ينزل موافقا لرأيه ، يقول علي بن أبي طالب : ( إنّا كنا لنرى إن في القرآن كلاما من كلامه ورأياً من رأيه ) كما قال عبد الله بن عمر : ( مانزل بالناس أمر فقالوا فيه وقال عمر ، إلا نزل القرآن بوفاق قول عمر ) عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال : قال رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- : ( لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون ، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر ) عن أبي هريرة قال : قال النبي -صلى الله عليه وسلم : ( لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر ) قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: ( من نبي ولا محدث ) قوة الحق كان قويا في الحق لا يخشى فيه لومة لائم ، فقد استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعنده نسوة من قريش ، يكلمنه ويستكثرنه ، عالية أصواتهن على صوته ، فلما استأذن عمر بن الخطاب قمن فبادرن الحجاب ، فأذن له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فدخل عمر ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضحك ، فقال عمر : ( أضحك الله سنك يا رسول الله ) فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ( عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي ، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب ) فقال عمر : ( فأنت أحق أن يهبن يا رسول الله ) ثم قال عمر : ( يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) فقلن : ( نعم ، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ( إيه يا ابن الخطاب ، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غيرفجك ) ومن شجاعته وهيبته أنه أعلن على مسامع قريش أنه مهاجر بينما كان المسلمون يخرجون سرا ، وقال متحديا لهم : ( من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي ) فلم يجرؤ أحد على الوقوف في وجهه عمر في الأحاديث النبوية رُويَ عن الرسـول -صلى الله عليه وسلم- العديد من الأحاديث التي تبين فضل عمـر بن الخطاب نذكر منها ( إن الله سبحانـه جعل الحق على لسان عمر وقلبه ) ( الحق بعدي مع عمـر حيث كان ) ( إن الشيطان لم يلق عمـر منذ أسلم إلا خرَّ لوجهه ) ( ما في السماء ملك إلا وهو يوقّر عمر ، ولا في الأرض شيطان إلا وهو يفرق من عمر ) قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- : ( رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأةِ أبي طلحة وسمعت خشفاً أمامي ، فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا بلال ورأيت قصرا أبيض بفنائه جارية ، فقلت : لمن هذا القصر ؟ قالوا : لعمر بن الخطاب ، فأردت أن أدخله فأنظر إليه ، فذكرت غيْرتك ) فقال عمر : ( بأبي وأمي يا رسول الله أعليك أغار !) وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- : ( بيْنا أنا نائم إذ أتيت بقدح لبنٍ ، فشربت منه حتى إنّي لأرى الريّ يجري في أظفاري ، ثم أعطيت فضْلي عمر بن الخطاب ) قالوا : ( فما أوّلته يا رسول الله ؟) قال : ( العلم ) قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- : ( بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليّ وعليهم قمصٌ ، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ أسفل من ذلك ، وعُرِضَ عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه ) قالوا : ( فما أوَّلته يا رسول الله ؟) قال : ( الدين ) خلافة عمر رغب أبو بكر -رضي الله عنه- في شخصية قوية قادرة على تحمل المسئولية من بعده ، واتجه رأيه نحو عمر بن الخطاب فاستشار في ذلك عدد من الصحابة مهاجرين وأنصارا فأثنوا عليه خيرا ومما قاله عثمان بن عفان : ( اللهم علمي به أن سريرته أفضل من علانيته ، وأنه ليس فينا مثله ) وبناء على تلك المشورة وحرصا على وحدة المسلمين ورعاية مصلحتهم أوصى أبو بكر الصديق بخلافة عمر من بعده ، وأوضح سبب اختياره قائلا : (اللهم اني لم أرد بذلك الا صلاحهم ، وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم ، واجتهدت لهم رأيا فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم ) ثم أخذ البيعة العامة له بالمسجد اذ خاطب المسلمين قائلا : (أترضون بمن أستخلف عليكم ؟ فوالله ما آليـت من جهـد الرأي ، ولا وليت ذا قربى ، واني قد استخلفـت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا ) فرد المسلمون : (سمعنا وأطعنا) وبايعوه سنة ( 13 هـ ) انجازاته استمرت خلافته عشر سنين تم فيها كثير من الانجازات المهمة لهذا وصفه ابن مسعود -رضي الله عنه- فقال : ( كان اسلام عمر فتحا ، وكانت هجرته نصرا ، وكانت إمامته رحمه ، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي الى البيت حتى أسلم عمر ، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا) فهو أول من جمع الناس لقيام رمضان في شهر رمضان سنة ( 14 هـ ) ، وأول من كتب التاريخ من الهجرة في شهر ربيع الأول سنة ( 16 هـ ) ، وأول من عسّ في عمله ، يتفقد رعيته في الليل وهو واضع الخراج ، كما أنه مصّـر الأمصار ، واستقضـى القضـاة ، ودون الدواويـن ، وفرض الأعطيـة ، وحج بالناس عشر حِجَـجٍ متواليـة ، وحج بأمهات المؤمنين في آخر حجة حجها وهدم مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وزاد فيه ، وأدخل دار العباس بن عبد المطلب فيما زاد ، ووسّعه وبناه لمّا كثر الناس بالمدينة ، وهو أول من ألقى الحصى في المسجد النبوي ، فقد كان الناس إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نفضوا أيديهم ، فأمر عمر بالحصى فجيء به من العقيق ، فبُسِط في مسجد الرسول -صلى الله علي وسلم- وعمر -رضي الله عنه- هو أول من أخرج اليهود وأجلاهم من جزيرة العرب الى الشام ، وأخرج أهل نجران وأنزلهم ناحية الكوفة الفتوحات الإسلامية لقد فتح الله عليه في خلافته دمشق ثم القادسية حتى انتهى الفتح الى حمص ، وجلولاء والرقة والرّهاء وحرّان ورأس العين والخابور ونصيبين وعسقلان وطرابلس وما يليها من الساحل وبيت المقدس وبَيْسان واليرموك والجابية والأهواز والبربر والبُرلُسّ وقد ذلّ لوطأته ملوك الفرس والروم وعُتاة العرب حتى قال بعضهم : ( كانت درَّة عمر أهيب من سيف الحجاج ) هَيْـبَتِـه و تواضعه وبلغ -رضي الله عنه- من هيبته أن الناس تركوا الجلوس في الأفنية ، وكان الصبيان إذا رأوه وهم يلعبون فرّوا ، مع أنه لم يكن جبّارا ولا متكبّرا ، بل كان حاله بعد الولاية كما كان قبلها بل زاد تواضعه ، وكان يسير منفردا من غير حرس ولا حُجّاب ، ولم يغرّه الأمر ولم تبطره النعمة استشهاده كان عمر -رضي الله عنه- يتمنى الشهادة في سبيل الله ويدعو ربه لينال شرفها : ( اللهم أرزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك) وفي ذات يوم وبينما كان يؤدي صلاة الفجر بالمسجد طعنه أبو لؤلؤة المجوسي ( غلاما للمغيرة بن شعبة ) عدة طعنات في ظهره أدت الى استشهاده ليلة الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة ولما علم قبل وفاته أن الذي طعنه ذلك المجوسي حمد الله تعالى أن لم يقتله رجل سجد لله تعالى سجدة ودفن الى جوار الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في الحجرة النبوية الشريفة الموجودة الآن في المسجد النبوي في المدينة المنورة . , ناصر الدوسري .. رائع ولا تكفي .. باركـ الله فيكـ / وجعلها في موازين حسناتكـ يوم القيامه .. دمتَ بـِ طُهر .. آخر تعديل بو حمد يوم May 24th, 2008 في 12:10 PM. |
|
| |
| | رقم المشاركة : 9 |
![]() | رد: شخصيات اسلاميه 7) فاطمة الزهراء بنت إمام المتقين رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمية -صلى الله على أبيها وآله وسلم ورضي عنها- كانت تكنى أم أبِيها بكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة . ونقل ابن فتحون عن بعضهم: بسكون الموحدة بعدها نون، وهو تصحيف، وتُلَقَّبُ الزهراء . روت عن أبيها، روى عنها ابناها وأبوهما، وعائشة، وأم سلمة، وسلمى أم رافع، وأنس، وأرسلت عنها فاطمة بنت الحسين وغيرها . قال عبد الرزاق، عن ابن جريج: قال لي غير واحد: كانت فاطمة أصغر بنات النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأحبهن إليه، وقال أبو عمر: اختلفوا أيَّتُهُنَّ أصغر؟ والذي يسكن إليه اليقين أن أكبرهن زينب ثم رقية ثم أم كلثوم ثم فاطمة، وقد تقدم شيء من هذا في ترجمة رقية. واختلف في سنة مولدها؛ فروى الواقدي، من طريق أبي جعفر الباقر، قال: قال العباس ولدت فاطمة والكعبة تُبْنَى والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ابن خمس وثلاثين سنة؛ وبهذا جزَمَ المدائني . ونقل أبو عمر، عن عبيد الله بن محمد بن سليمان بن جعفر الهاشمي أنها ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، وكان مولدها قبل البعثة بقليل نحو سنة أو أكثر، وهي أسن من عائشة بنحو خمس سنين . وتزوجها علي أوائل المحرم سنة اثنتين بعد عائشة بأربعة أشهر، وقيل غير ذلك، وانقطع نسل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إلا من فاطمة . ذكر ابن إسحاق في "المغازي الكبرى" حدثني ابن أبي نجيح، عن علي أنه خطب فاطمة، فقال له النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: هل عندك من شيء؟ قلت: لا. قال: فما فعلتْ الدرعُ التي أصبتها -يعني من مغانم بدر. وقال ابن سعد: أخبرنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان هو ابن بلال، حدثني جعفر بن محمد، عن أبيه: أَصْدَقَ علي فاطمةَ درعًا من حديد. وعن حازم، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة: أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال لعلي حين زوَّجه فاطمة: اعطها درعك الحطمية هذا مرسل صحيح الإسناد. وعن يزيد بن هارون، عن جرير بن حازم، عن أيوب أتم منه، وأخرج أحمد في "مسنده" من طريق ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن رجل سمع عليا يقول: أردت أن أخطب إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ابنته، فقلت: والله مالي من شيء، ثم ذكرت صلته وعائدته، فخطبتها إليه، فقال: وهل عندك شيء؟ فقلت: لا.قال: فأين درعك الحطمية التي أعطيتك يوم كذا وكذا؟ قلت: هو عندي. قال: فأعطها إياها . وله شاهد عند أبي داود من حديث ابن عباس وأخرج ابن سعد، عن الواقدي من طريق أبي جعفر، قال: نزل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على أبي أيوب، فلما تزوج علي فاطمة، قال له: التمِسْ منزلا فأصابه مستأخرا، فبنى بها فيه، فجاء إليها، فقالت له: كلم حارثة بن النعمان، فقال: قد تحول حارثة حتى استحييت منه، فبلغ حارثة، فجاء، فقال: يا رسول الله، والله، الذي تأخذ أحب إليَّ من الذي تدع. فقال: صدقت، بارك الله فيك، فتحول حارثة من بيت له فسكنه علي بفاطمة . ومن طريق عمر بن علي، قال: تزوج علي فاطمة في رجب سنة مقدمهم المدينة، وبني بها مرجعه من بدر، ولها يومئذ ثمان عشرة سنة. وفي "الصحيح" عن علي قصة الشارفين لمّا ذبحهما حمزة وكان علي أراد أن يبني بفاطمة؛ فهذا يدفع قول من زعم أن تزويجه بها كان بعد أُُحد؛ فإن حمزة قُتل بأُحد. قال يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن عمرو بن دينار، قالت عائشة ما رأيت قط أحدًا أفضل من فاطمة غير أبيها. أخرجه الطبراني في ترجمة إبراهيم بن هاشم من "المعجم الأوسط" وسنده صحيح على شرط الشيخين إلى عمر وقال عكرمة، عن ابن عباس خطَّ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أربعة خطوط، فقال: أفضل نساء أهل الجنة خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية وقال أبو يزيد المدائني، عن أبي هريرة مرفوعا: خير نساء العالمين أربع: مريم، وآسية، وخديجة، وفاطمة . وقال الشعبي، عن جابر: حسبُكَ من نساء العالمين أربع... فذكرهُنَّ، وقال عبد الرحمن بن أبي نعيم عن أبي سعيد الخدري -مرفوعا: سيدة نساء أهل الجنة فاطمة إلا ما كان من مريم . وفي "الصحيحين" عن المسور بن مَخرمة سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- على المنبر يقول: فاطمة بضْعَةٌ منِّي، يؤذيني ما آذاها، ويريبني ما رابَها . وعن علي بن الحسين بن علي، عن أبيه، عن علي قال: قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لفاطمة: إن الله يرضى لرضاك ويغضب لغضبك ، وأخرج الدولابي في "الذرية الطاهرة" بسند جيد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ليلة بنى علي بفاطمة لا تُحدث شيئا حتى تلقاني، فدعا بماء فتوضأ منه، ثم أفرغه عليهما، وقال: اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نسلهما . وقالت أم سلمة في بيتي نزلت: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت الآية، قالت: فأرسل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين فقال: هؤلاء أهل بيتي... الحديث. أخرجه الترمذي والحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح على شرط مسلم . وقال مسروق، عن عائشة أقبلت فاطمة تمشي كأنَّ مشيتها مشية رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال: مرحبا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه، ثم أسَرَّ إليها حديثًا فبكت، ثم أسر إليها حديثا فضحكتْ، فقلت: ما رأيت كاليوم أقربَ فرحًا من حزنٍ، فسألتها عما قال. فقالت: ما كنت لأفشي على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- سِرَّه، فلما قبض، سألتها فأخبرتني أنه قال: إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، وما أراه إلا قد حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لُحُوقًا بي، ونِعْمَ السلف أنا لك فبكيتُ، فقال: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين؟ فضحكتُ . وقالت أم سلمة جاءت فاطمة إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فسألتها عنه، فقالت: أخبرني أنه مقبوض في هذه السنة، فبكيت، فقال: أما يسرُّك أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم؟ فضحكتُ أخرجه أبو يعلى . وأخرج ابن أبي عاصم، عن عبد الله بن عمرو بن سالم المفلوج بمسند من أهل البيت، عن علي أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال لفاطمة: إن الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك . وأخرج الترمذي من حديث زيد بن أرقم أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: علي وفاطمة والحسن والحسين أنا حربٌ لمَنْ حاربهم، وسلم لمن سالمهم . ونقل أبو عمر في قصة وفاتها أن فاطمة أوصت عليا أن يُغَسِّلَهَا هو وأسماء بنت عميس؛ واستبعده ابن فتحون؛ فإن أسماء كانت حينئذ زوج أبي بكر الصديق قال: فكيف تنكشف بحضرة علي في غُسل فاطمة؟! وهو محل الاستبعاد. وقد وقع عند أحمد أنها اغتسلت قبل موتها بقليل، وأوصت ألا تُكشف ويُكتفى بذلك في غُسلها؛ واستبعد هذا أيضا. وقد ثبت في "الصحيح" عن عائشة أن فاطمة عاشت بعد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ستة أشهر، وقال الواقدي: وهو ثبت. وروى الحميدي، عن سفيان، عن عمرو بن دينار: أنها بقيت بعده ثلاثة أشهر، وقال غيره: بعده أربعة أشهر، وقيل: شهرين، وعند الدولابي في "الذرية الطاهرة" بقيت بعده خمسة وتسعين يوما، وعن عبد الله بن الحارث: بقيت بعده ثمانية أشهر. وأخرج ابن سعد، وأحمد بن حنبل من حديث أم رافع، قال: مرضت فاطمة، فلما كان اليوم الذي تُوُفِّيّتْ قالت لي: يا أمة، اسكبي لي غُسلا فاغتسلت كأحسن ما كانت تغتسل، ثم لبست ثيابًا لها جُدُدًا، ثم قالت: اجعلي فراشي وسط البيت، فاضطجعت عليه واستقبلت القبلة، وقالت: يا أمة، إني مقبوضة الساعة، وقد اغتسلت فلا يكشفنَّ لي أحد كنفًا، فماتت، فجاء علي فأخبرته فاحتملها ودفنها بغسلها ذلك . وأخرج ابن سعد من طريق محمد بن موسى أن عليا غسَّل فاطمة. ومن طريق عبيد الله بن أبي بكر، عن عمرة، قالت: صلى العباس على فاطمة، ونزل هو وعلي والفضل بن عباس في حفرتها. وروى الواقدي، عن طريق الشعبي، قال: صلى أبو بكر على فاطمة؛ وهذا فيه ضعف وانقطاع، وقد روى بعض المتروكين عن مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه نحوه، ووهَّاه الدارقطني وابن عدي . قال ابن سعد: أخبرنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن علي أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لما زوَّجه فاطمة بعث معها بخميلة ووسادة أدم حشوُها ليف، ورحاءين، وسقاءين، قال: فقال علي لفاطمة يوما: لقد شقوتُ حتى اشتكيت صدري، وقد جاء الله بسبي، فاذهبي فاستخدمي، فقالت: وأنا والله قد طحنت حتى تجلت يداي، فأتت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال: ما جاء بك أي بنية؟ فقالت: جئت لأسلم عليك، واستحيتْ أن تسأله، ورجعت، فأتياه جميعًا، فذكر له علي حالهما، قال: لا، والله لا أعطيكما وأدع أهل الصُّفَّة تتلوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيع وأنفق عليهم أثمانهم، فرجعا، فأتاهما وقد دخلا قطيفتهما إذا غطيا رؤوسهما بدت أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما انكشفت رؤوسهما، فثَارا، فقال: مكانكما، ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ فقالا: بلى. فقال: كلمات علمنيهن جبريل: تسبحان في دُبُرِ كل صلاة عشرًا، وتحمدان عشرًا، وتكبِّران عشرًا، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبِّحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبِّرا أربعا وثلاثين. قال علي فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن. وقال له ابن الكوَّاء: ولا ليلة صفين؟ فقال: قاتلكم الله يا أهل الطروق! ولا ليلة صفين . وقال أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا جرير بن حازم، حدثنا عمرو بن سعيد، قال: كان في علي شِدَّة على فاطمة، فقالت: والله لأشكونَّك إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فانطلقت وانطلق علي في إثرها فكلمته، فقال: أي بُنَيَّة، اسمعي واستمعي واعقلي: إنه لا إمْرَةَ لامْرَأَةٍ لاتأتي هوى زوجِها وهو ساكت. قال علي فكففت عما كنت أصنع، وقلت: والله لا آتي شيئًا تكرهينه أبدا . أخبرنا عبيد الله بن موسى، حدثنا عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: كان بين علي وفاطمة كلام، فدخل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فلم يزل حتى أصلح بينهما، ثم خرج، قال فقيل له: دخلتَ وأنت على حال وخرجتَ ونحن نرى البِشر في وجهك! فقال: وما يمنعني وقد أصلحت بين أحب اثنين إليَّ. وأخرج الواقدي بسند له، عن أبي جعفر، قال: دخل العباس على عليّ وفاطمة وهي تقول: أنا أسن منك، فقال العباس ولدت فاطمة وقريش تبني الكعبة، وولد علي قبلها بسنوات. وقال الواقدي: توفيت فاطمة ليلة الثلاثاء لثلاث خلَوْنَ من شهر رمضان سنة إحدى عشرة. ومن طريق عمرة: صلى العباس على فاطمة، ونزل في حفرتها هو وعلي والفضل. ومن طريق علي بن الحسين: أن عليا صلى عليها، ودفنها بليل بعد هدأه، وذكر عن ابن عباس أنه سأله فأخبره بذلك. وقال الواقدي: قلت لعبد الرحمن بن أبي الموالي: إن الناس يقولون إن قبر فاطمة بالبقيع، فقال: ما دفنت إلا في زاوية في دار عقيل، وبين قبرها وبين الطريق سبعة أذرع . ============== آخر تعديل بو حمد يوم May 24th, 2008 في 12:11 PM. |
|
| |
| | رقم المشاركة : 10 |
![]() | رد: شخصيات اسلاميه ناصر بارك الله فيك والله يعطيك الاعفية على الفكرة المميزة والرائعة دمت بخير 8) ابو هريرة أبوهريرة هو: الصحابي الجليل عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني، أول من أسلم من قبيلة دوس، قدم إلى المدينة مهاجراً سنة ست للهجرة، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم غازياً خيبر فالتحق به هنالك، كانت له هرة وكان يلاعبها فكني بها رضي الله عنه، وكان من حفاظ الصحابة، بل هو أحفظهم على الإطلاق، حتى أتهم بالإكثار من الحديث، فقال مدافعاً عن نفسه مبيناً سبب كثرة حفظه: إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي هريرة؟ وأني إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإخواتي من الأنصار يشغلهم عمل أموالهم، وكنت أمرأً مسكيناً من مساكين الصفة ألزم، رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث يحدثه يوماً: إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي جميع مقالتي، ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول، فبسطت نمرة علي، حتى إذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته جمعتها إلى صدري فما نسيت من مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك من شيء" متفق عليه. هكذا كان حاله رضي الله عنه مع العلم، حريصاً مثابراً في طلبه حتى حصل من العلم ما لم يحصله غيره، توفي النبي صلى الله عليه وسلم، وفتحت على المسلمين الدنيا، وحصل لأبي هريرة خير كثير، ولاه عمر رضي الله عنه البحرين، ثم قدم إلى المدينة، ورفض الولاية، وفي خلافة معاوية كان ينوب في حكم المدينة عن مروان بن الحكم. دعا رضي الله عنه قائلاً: "اللهم لا تدركني سنة ستين ولا إمارة الغلمان" رواه ابن أبي شيبة، قال الذهبي فتوفي فيها أو قبلها بسنة رضي الله عنه، فقد كانت حياته ملئية بالعلم. آخر تعديل بو حمد يوم May 24th, 2008 في 12:30 PM. |
|
| |
![]() |
| الكلمات الدليلية |
| اسلاميه, شخصيات |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
| |
المواضيع المتشابهه | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| اكبر مكتبة ويفات اسلاميه الان على شبكة حاير | mr.3badi | قسم المؤثرات والمقاطع الصوتيه | 9 | October 20th, 2008 08:58 PM |
| شخصيات البنات من ملابسهم | احلى ملاك | منتدى الأزياء والمكياج والعطور | 2 | June 23rd, 2007 08:12 AM |
| شخصيات صنعت التاريخ | خلود | المنتدى العام | 7 | September 10th, 2003 04:19 PM |
الساعة الآن 02:30 AM.